ياسين لمقدم / القطار

أفكار قابلة للتغيير…
1-القطار:
لماذا القطار أولا؟ وهل لهذه الآلة الجرارة المهولة من أفكار تصدرها غير هديرها وضجيجها ورتابتها؟… ربما لرحلات القطار شبه عظيم برحلة الحياة البشرية. فقبل أن ينطلق القطار من محطته الأولى للمسافرين والأخيرة للوافدين، تتمخض محطته عن أناس مختلفي الألوان والوجهات والأعمار، مهرولين إليه ومنه. وبين جنباته وفي أروقته ومقصوراته يجس عمال الصيانة الأجهزة والأبواب والنوافذ والأضواء كما يجس الأطباء بطون الحَبالى. فإذا انطلق القطار تعالت الزغاريد في بيت الوليد وتدافعت الدعوات هنا بالهناء والشفاء، وهنالك بالسلامة والأمان.
يعبر القطار إلى محطته الثانية القريبة في الغالب، وربانه وركابه لم يفقدوا شيئا من همتهم ونشاطهم رغم بعض الغضب الذي يلوح في عين الصبي جراء فطام متردد.
بعد المحطة الثانية، يزفر القطار زفراتٍ حَرَّى جراء توغله في سباق مع الزمن والريح وتقلبات الجو. ساعتها سيكون الفتى قد أدرك بعض أهداف الحياة حوله بمجرد تسلمه بضعة أوراق وقلم وطُلب منه وضع تصور لشيء ملموس حوله…
القطار على سكته بهِمّة يبتلع المسافات، مستمتعا بجمال الأشجار والأزهار والجبال والأطيار حوله وكأنها عرائس أحلام الشباب، تتنوع في كل حلم ثم تهرول إلى الوراء فلا يدرك منها إلا اللمم.
وبين الفينة والأخرى، يتوغل القطار بسلاسة في ظلمات رتقتها معاول الجد والكد ونحتتها بدقة في صلادة الجبال، وتنتهي عند تفتق الذهن لدى راشدٍ بلغه بعض علم الآخرين. القطار يصفر بعنف إلى حد يتجاوز الصدام في الكثير من المرات. هكذا هي أفكار الراشد ولم تنضجها بعد هبات المصيف…
طرقات القطار لا تتسم في الغالب بالمرونة والهدوء والدعة والإنبساط، بل تشوبها منغصات تقلب الحياة رأسا على عقب. فبينما الإنسان يرسم لنفسه ظلا وارفا يتفيأ فيه للحظات، تباغته غيمات سوداء تنضح بالكرب، وتفور بالدمع الذي يجرف في مجراه أشياء كثيرة وجميلة… بعنف سيزفر القطار دخانه الأسود ويضغط بعنف على الطريق فيجعلها مطواعة إلى حين…
في النهاية يختتم القطار رحلته كما بدأها، بينما يرحل الإنسان ولا يعود… فلماذا إذن نقسِّم القطار إلى درجتين غير متطابقتين بينما ينتهيان في نفس الحين؟.

أضف تعليق

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ